الغزالي
189
إحياء علوم الدين
الحظ . ولذلك قال عمر رضي الله عنه ، اعزلوا عنى حسابها ، حين كان به عطش ، فعرض عليه ماء بارد بعسل ، فأداره في كفه ، ثم امتنع عن شربه . فالدنيا قليلها وكثيرها ، حرامها وحلالها . ملعونة إلا ما أعان على تقوى الله ، فإن ذلك القدر ليس من الدنيا . وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن ، كان حذره من نعيم الدنيا أشد . حتى أن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ، ثم رماه ، إذ تمثل له إبليس وقال . رغبت في الدنيا . وحتى أن سليمان عليه السلام في ملكه ، كان يطعم الناس لذائذ الأطعمة ، وهو يأكل خبز الشعير ، فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتهانا وشدة ، فإن الصبر عن لذائذ الأطعمة ، مع القدرة عليها ووجودها أشد . ولهذا روى أن الله تعالى [ 1 ] زوي الدنيا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، فكان يطوى أياما ، [ 2 ] وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع . ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، كل ذلك نظرا لهم ، وامتنانا عليهم ، ليتوفر من الآخرة حظهم . كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكه ، ويلزم ألم الفصد والحجامة ، شفقة عليه ، وحبّا له ، لا بخلا عليه . وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو من الدنيا ، وما هو لله فذلك ليس من الدنيا فإن قلت فما الذي هو لله ؟ فأقول الأشياء ثلاثة أقسام : منها ما لا يتصور أن يكون لله ، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات ، وأنواع التنعمات في المباحات ، وهي الدنيا المحضة المذمومة ، فهي الدنيا صورة ومعنى ومنها ما صورته لله ، ويمكن أن يجعل لغير الله ، وهي ثلاثة ، الفكر ، والذكر ، والكف عن الشهوات . فإن هذه الثلاثة إذا جرت سرا ، ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر ، فهي لله وليست من الدنيا . وإن كان الغرض من الفكر ، طلب العلم للتشرف به ، وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة ، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال